عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

338

اللباب في علوم الكتاب

بعضهم : الصيغة عامة ، فيدخل فيه قذفة عائشة وغيرها « 1 » . وقيل : المراد قذفة عائشة . قالت عائشة : رميت وأنا غافلة ، وإنما بلغني بعد ذلك ، فبينا رسول اللّه « 2 » عندي إذ أوحى إليه ، قال : « أبشري » وقرأ : « إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ » . وقيل : المراد جملة أزواج رسول اللّه ، وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به . واحتج هؤلاء بأمور : الأول : أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله في أول السورة : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ » إلى قوله : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا . . . » « 3 » . وأما القاذف في هذه الآية فإنه لا تقبل توبته لقوله تعالى : لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ولم يذكر استثناء . وأيضا فهذه صفة المنافقين في قوله : « مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا » « 4 » . الثاني : أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر ، والقاذف في هذه الآية كافر ، لقوله : « يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ . . . » « 5 » وذلك صفة الكفار والمنافقين لقوله « 6 » : « وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ . . . » « 7 » الآيات « 8 » . الثالث : أنه قال : « وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » والعذاب العظيم هو عذاب « 9 » الكفر ، ( فدلّ على أن عذاب هذا القاذف عقاب الكفر ) « 10 » . وعقاب قذف سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر . وروي أن ابن عياش « 11 » كان بالبصرة يوم عرفة ، وكان يسأل عن تفسير هذه الآية ، فقال : « من أذنب ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة » . وأجاب الأولون بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطا بعدم التوبة ، لأن الذنب سواء كان كفرا أو فسقا « 12 » ، فإذا تاب عنه صار مغفورا .

--> ( 1 ) وهو قول الأصوليين . ( 2 ) في ب : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 3 ) [ النور : 4 ، 5 ] . ( 4 ) من قوله تعالى : مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [ الأحزاب : 61 ] . ( 5 ) [ النور : 24 ] . ( 6 ) في ب : لقوله تعالى . ( 7 ) [ فصلت : 19 ] . ( 8 ) قال تعالى : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ، وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ [ فصّلت : 19 ، 20 ، 21 ، 22 ] . ( 9 ) في ب : عقاب . ( 10 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 11 ) في ب : وروى ابن عباس أنه . ( 12 ) في الأصل : أو كفرا . وهو تحريف .